فخر الدين الرازي

299

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الوضوء تارك للمأمور به ، وتارك المأمور به يستحق العقاب ، ولا معنى للبقاء في عهدة التكليف إلا ذلك ، فإذا ثبت هذا ظهر كون الوضوء شرطا لصحة الصلاة بمقتضى هذه الآية . المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه اللَّه : النيّة شرط لصحة الوضوء والغسل . وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه : ليس كذلك . واعلم أن كل واحد منهما يستدل لذلك بظاهر هذه الآية أما الشافعي رحمه اللَّه فإنه قال : الوضوء مأمور به ، وكل مأمور به فإنه يجب أن يكون منويا فالوضوء يجب أن يكون منويا ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون شرطا لأنه لا قائل بالفرق ، وإنما قلنا : إن الوضوء مأمور به لقوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [ المائدة : 6 ] ولا شك أن قوله فَاغْسِلُوا وَامْسَحُوا أمر ، وإنما قلنا : إن كل مأمور به أن يكون منويا لقوله تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البينة : 5 ] واللام في قوله لِيَعْبُدُوا ظاهر للتعليل ، لكن تعليل أحكام اللَّه تعالى محال ، فوجب حمله على الباء لما عرف من جواز إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض ، فيصير التقدير : وما أمروا إلا بأن يعبدوا اللَّه مخلصين له الدين ، والإخلاص عبارة عن النيّة الخالصة ، ومتى كانت النيّة الخالصة معتبرة كان أصل النيّة معتبرا . وقد حققنا الكلام في هذا الدليل في تفسير قوله تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فليرجع إليه في طلب زيادة الإتقان ، فثبت بما ذكرنا أن كل وضوء مأمور به ، وثبت أن كل مأمور به يجب أن يكون منويا ، فلزم القطع بأن كل وضوء يجب أن يكون منويا أقصى ما في الباب أن قولنا : كل مأمور به يجب أن يكون منويا مخصوص في بعض الصور ، لكنا إنما أثبتنا هذه المقدمة بعموم النص ، والعام حجة في غير محل التخصيص . وأما أبو حنيفة رحمه اللَّه فإنه احتج بهذه الآية على أن النيّة ليست شرطا لصحة الوضوء ، فقال : إنه تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة في هذه الآية ولم يوجب النيّة فيها ، فإيجاب النيّة زيادة على النص ، والزيادة على النص نسخ ، ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس لا يجوز . وجوابنا : أنا بيّنا أنه إنما أوجبنا النيّة في الوضوء بدلالة القرآن . المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه اللَّه : الترتيب شرط لصحة الوضوء ، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما اللَّه : ليس كذلك ، احتج الشافعي رحمه اللَّه بهذه الآية على قوله من وجوه : الأول : أن قوله إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ يقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه لأن الفاء للتعقيب ، وإذا وجب الترتيب في هذا العضو وجب في غيره لأنه لا قائل بالفرق . فإن قالوا : فاء التعقيب إنما دخلت في جملة هذه الأعمال فجرى الكلام مجرى أن يقال : إذا قمتم إلى الصلاة فأتوا بمجموع هذه الأفعال . قلنا : فاء التعقيب إنما دخلت على الوجه لأن هذه الفاء ملتصقة بذكر الوجه ، ثم إن هذه الفاء بواسطة دخولها على الوجه دخلت على سائر الأعمال ، وعلى هذا دخول الفاء في غسل الوجه أصل ، ودخولها على مجموع هذه الأفعال تبع لدخولها على غسل الوجه ، ولا منافاة بين إيجاب تقديم غسل الوجه وبين إيجاب